(تنويه: حرق كثيف للأحداث)

شاهدت فيلم الجوكر الذي طال انتظارُه وراهن كثيرون بالذّات على حضور "واكين فينيكس" فيه .. الممثّل بالمعروف بقدرتِه الهائلة على تمثيل الاضطرابات النفسيّة، خصوصا بعد دورِه فائق الإتقان في فيلم "The Master" ..


يبدأ الفيلم في رسم صورة تقليديّة لجذور الاضطراب النّفسيّ والاجتماعي .. فكرة "الجوكر" أو "المهرّج" نفسُها تنطوي على مدخل سيكولوجيّ خِصب .. الإنسان، يتّخِذُ أقنِعةً متنوّعة لذاتِه .. قد توحي الكلمةُ بالزّيف والاصطناع في دلالتِها الشائعة، لكنّ لها وجها إيجابيّا مهمّا .. لنسمّه "تعدد الأدوار" بدلا من القِناع .. كلُّ منّا تتحوّرُ شخصيّتُه بقدرٍ ما حسبَ السّياق وهذا طبيعي .. لنا شخصيّةٌ مع من نحبّ، وأخرى مع أبنائنا، وأخرى مع زملائنا، وأخرى مع رؤسائنا في العمل، وأخرى مع الأغراب، وهكذا ..

الاضطرابُ يحدثُ حينما نفشلُ في القيام بهذا التحوير .. تخيّل شخصاً يتعامل مع مديره كما يتعاملُ مع زوجتِه، ويتعامل مع زملائه كما يتعامل مع أبنائه .. من سِمات المُصابين باضطرابات الشخصيّة أنّ شخصيّاتِهم على قدرٍ عالٍ من التصلّب وانعدام المرونة إلى درجة أنهم لا يستطيعون تطويعَها لتلائمَ السياقات المختلفة .. النرجسيّ يُريد من الجميع أن يُصبحوا أمّه، والهستيري يُريد من الجميع أن يلتفتوا نحوَه ويمنَحوه إعجابَهم الجنسيّ، والرُّهابيّ يخافُ من الجميع بلا تمييز، وهكذا ..

فكرة الجوكر/القِناع هي الاضطراب المُقابِلٌ لهذا تماماً .. أي أن تُريدَ أن تختفي، وأن تضعَ حاجِزا عازلا بينك وبين العالَم .. الشُّعورُ الأكثرُ ارتباطاً بهذه الوضعيّة ليس الحزن ولا الخوف ولا الغضب، إنّه الخِزي .. لدى الجوكر الكثير من الشعور بالخِزي ..

نلاحظُ مبكِّرا أنّ "آرثر" يعملُ في مهنةٍ متواضِعة .. يحملُ لوحة ترويجيّة على مدخل أحد المتاجر، ويُلوِّحُ بها للمارّة لفتاً لنظرِهم .. هنا إشارة طريفة، هي ما كُتِبَ على اللوحة ., "Everything must go" .. العبارة نفسُها تحتملُ الخنوعَ الكامل لمنطقِ السّوق (المتجر يُصفّي بضائعَه)، والثورة العارمة على كلّ ما هنالك (كلّ شيء سينتهي) .. يسرقُ بعض الصبية اللوحة منه ويضربونه .. إشارةٌ أخرى على حجم استضعافِه وهوانِه ..

ثم نكتشفُ علاقتَه بوالدتِه .. يُقطِّعُ لها الطّعام مع أنّها ليست عاجِزة، ويجلس معَها على سريرِها يُشاهدُ التّلفاز .. إشاراتٌ على ارتباطٍ عاطفيّ قلِق، وعلى ذاتٍ لم تُنجِز استقلالَها عن أمِّها، وما تزالُ ترتبطُ بها ارتباطاً مرضيّا .. في المشهد نفسِه يتبدّى جانبٌ آخَر من تكوين آرثر المُضطرِب .. يُشاهدُ مع والدتِه أحد برامج ال Talk Show يُقدِّمُه أحدُ المشاهير، ولا يلبثُ آرثر أن يجدَ نفسَه غارِقا في استيهام "fantasy" يرى نفسَه فيه يخوضُ حواراً مع هذا المُقدِّمِ المشهور، يقولُ له المقدِّمُ في آخِرِه إنه كان ليكون فخوراً به لو كان ابنَه .. إشارةٌ واضِحة إلى افتقاد آرثر لحضور الأب Father Figure في حياتِه، مع ما يستتبعُه ذلك من تعلّقٍ مرَضيّ بالأم وتأزُّم في صورة الذّكورة وتجلّياتِها ..

ثمّ يُضافُ بُعدٌ جديد إلى التكوين النّفسيّ المضطرب ل"آرثر" حين نكتشفُ أنّه مُصابٌ بحالةٍ تجعلُه يضحك لا إراديّا في مواقفَ لا يليقُ بها الضّحك . يضحكُ ضحِكا جافّا ميكانيكيّا بلا بهجة، بل على العكس، يُثيرُ في من يراهُ توتُّراً مُزعِجاً .. نكتشف أن "آرثر" يحملُ معه ورقةً يستخدمُها ليُخبرَ الناس أن ضحكَه هذا حالةٌ طبّية .. لا تذكرُ الورقة اسمَ المرض، لكن يبدو أنه الحالة الطّبيّة النادرة المُسمّاة Pseudobulbar Affect، وهي حالة تنتج عن مرض أو إصابة في الدّماغ تجعلُ المُصابَ بها فاقدا للقدرة على التحكّم في انفعالاته العاطفيّة من ضحك وبكاء، وبالتالي فهو يضحكُ أو يبكي بطريقة اعتباطيّة لا علاقة لها بالسياق .. يُعزّزُ هذا الاحتمال أننا سنكتشفُ لاحِقاً أن آرثر تعرّض لاعتداءات جسدية وهو طفل شملت إصابات في الرأس..

وبعد أن يرتكب آرثر جريمتَه الأولى، يدخلُ في استيهام خياليّ "Fantasy" جديد، وهو أنه يُمارسُ الجنس مع جارتِه، في إشارة واضِحة لعمقِ أزمة الذّكورة والحاجة للاعتراف لديه، حيث احتاج إلى القتل ليشعرَ أنّه جديرٌ بجسد هذه المرأة .. القتلُ كان فرصةً غير متوقّعة لنيل اعترافِه بنفسِه، من خلال اعترافِ هذه المرأة به، من خلال ممارستِها الجنس معه ..

يحصلُ التحوّل الأهم في القصّة حين يكتشفُ آرثر أن والدتَه تبعثُ رسائل لشخصٍ اسمه "توماس واين" .. ثريّ متنفّذٌ في المدينة .. كان انطباع آرثر أنّ والدتَه تُرسلُ تلك الرسائل طمعاً في مساعدةٍ ماليّة من هذا الرجل الغني الذي تقول إنها عملت عنده .. لكن يقرأ آرثر إحدى رسائلِها لهذا الرجل، ليجدَها تذكرُ في الرسالة أنّ واين هو في الحقيقة والد آرثر، وأنّها كانت على علاقة به في الزمن الذي عملت فيه عنده، وأن "آرثر" ابنُها من تلك العلاقة .. حين يواجهُها آرثر بهذا الاكتشاف تكشفُ أن توماس واين أقنعَها بكتمان هذه العلاقة لأنّ انكشافَها سيضرّ بصورتِه العامة .. إذن يجدُ آرثر إذن نفسَه أمام أزمة اعتراف جديدة، فأبوه أحد الأثرياء المتنفّذين لكنّه يُنكرُه وينكرُ أمَّه ..

يُحاول آرثر أن يحظى باعتراف والدِه المزعوم، ويذهب لقصرِه فلا يجدُ إلا النّكران، بل اتّهامَ والدتِه بأنّها تُعاني من أوهام مرضيّة delusional .. يذهبُ لمراجَعة سجلّات مستشفى الولاية فيجدُ ملفّ والدتِه يذكرُ أنّها تُعاني من أوهام مرضيّة ومن اضطراب الشخصيّة النرجسيّة، ويجدُ كذلك أنّ أحد من كانت على علاقةٍ بهم قد آذاهُ جسديّا وهو صغير، وأن والدتَه تركته ضحيّة الإهمال والجوع .. يستغلُّ آرثر مرضَ والدتِه ويخنقُها .. يُحقِّقُ آرثر قتلَ الأم، ماديّا لا رمزيّا، كما سيحقّقُ في نهاية الفيلم قتلَ أبويه الرمزيين ..

خطٌّ آخَر في شخصيّة آرثر هو محاولاتُه أن يصبحَ مؤدّياً كوميديّا Standup Comedian.. الفكرة مغرية وخصبة دراميّا، أن يكونَ كلُّ ما في حياتِكَ بائساً، وأن تكونَ مُصاباً بحالة مرضيّة تجعلُكَ تضحكُ بلا سياق، ثمّ تقرّرُ أن تُصبحَ كوميدياناً .. ذكر جوردان بيترسون مرّة أنّ المهرّج في ديوان الملك في العصور الوسطى الأوروبيّة كان هو الشّخص الوحيد القادر على قولِ الحقيقة، والسبب هو أنّه أقلُّ قدراً من أن يُثيرَ غضبَ الملك حتى لو قال الحقيقة المُزعِجة .. دورٌ يُشبِهُ أن تكونَ خارجَ الحسابات، وبالتالي أكثرَ تحرّرا من تبِعات القول والفعل . هذا يُفسِّرُ الانتشارَ الهائل لل stand-up comedy في الغرب، وكثرة حديثِها فيما يتحرّجُ الآخَرون عن الحديثِ فيه، باعتبار أن الكوميديان يَقولُ ليُضحِك، بلا أيّ أجندات ولا أغراض، ويكتسبُ بالتّالي مساحة أوسع وقدرة أكبر على النّقد اللاذع المتحرّر من ضرورات اللياقة وحسابات السياسية .. كان يُمكنُ لهذا الخطّ في الفيلم ان يُستَثمَر بشكلٍ أفضل ..

لكنّ ما حصل هو أن الجوكر انتهى به المطاف ضيفاً بالفعل في برنامج المقدّمِ المشهور الذي يُمثِّلُ بالنِّسبة له أباً رمزيّا .. بدل أن يُضحكَ الجمهور، يُقرّرُ الجوكر أنّ هذه لحظتُه ليُطلقَ تمرّدَه الأخيرَ والنهائيّ، فيعترفُ على الهواء وأمام الجمهور بجرائم القتلِ التي ارتكبَها، ويتبادلُ حوارا مُصطَنَعا ومتكلِّفاً مع مقدّم البرنامج قبل أن يُرديّه قتيلا .. هكذا يقتلُ أباه الرمزيّ الأول ..

تعمّ الفوضى في المدينة، وتمتلئُ الطّرقات بلابسي قِناع الجوكر، وتحدثُ حالةُ هياجٍ عامّة .. ينطلقُ الناس مقنّعين في الطّرقات يحرقون ويدمّرون، ويكون من نتائج ذلك أن يُقتلَ "توماس واين" -الذي يعتقدُ آرثر أنّه أبوه- وزوجتُه، ويبقى ابنُهُما بروس شاهداً على مقتلِهما .. هكذا يقتلُ آرثر أياه الرمزيّ الثاني، وإن بصورةٍ غيرِ مباشِرة .. بروس هو من سيصبح باتمان طبعاً حسبَ القصّة الأصلية .. كان يُمكن ل"آرثر" أن يكونَ ابن العائلة المحظيّة، أو ربّما أن يكون باتمان، لو حظيَ بالاعتراف .. هكذا تُصبحُ ثورة الجوكر مجرّد نتيجةٍ لمُصادِفات تاريخيّة سيئة الحظّ .. كلٌّ من الجوكر وباتمان فقدا الأب نفسَه، ومن هذا الأب نفسِه يخرجُ الخير والشّرّ .. يبدو الخيرُ والشرّ هنا ملتبِسَين للغاية، وعرضيَّين جِدّا ..

المشكلة الكبرى إذن هي أن الفيلم جمع في شخصية الجوكر جميع الاسباب التي تجعل منها بالفعل شخصية مريضة نفسيا ، بكل ما يعنيه المرض النفسي بشكله الطبي مكتمل الأركان، وحاول أن يصنع منها شخصية ثورية! صحيح أنها شخصية تعاني من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، لكنّ البعد الاهم فيها هو المرض ، المرض النفسي الواضح المباشر، أي أنها شخصية مختلة تقوم بجرائم رخيصة وبلا أي بعد فلسفي أو عمق ثوري.. كل محاولات إضفاء أبعاد الثورة على السيستم والتمرد على المنظومة الرأسماليّة تبدو مفتعلة وكاريكاتورية ..

بالمقارنة مع جوكر هيث ليدجر ومع الثوري في V For Vendetta، يبدو هذا الجوكر خطوة مريعة للوراء، وانتكاسة هائلة نحو تسطيح الشخصية .. هذا الجوكر وفيلمه مفتعلا الثورية، والتوتر الذي يحاولان صنعَه لا يرقى مطلقا للتوتر العميق والمربك فلسفيًا الذي خلقه جوكر هيث ليدجر، وحتى على مستوى التمثيل والأداء، هذا جوكر مسطّح، وهذا فيلم مبالغ جدا في قيمتِه!

ما رايك بالموضوع?



تعليقات فيسبوك



تعليقات