أنماط تفكير بشرية خاطئة ومزعجة لم تنقرض إلى اليوم!

كثيرًا ما تواجهنا العديد من المشكلات والمواقف التي نحتاج أن نتوقف عندها ونفكر فيها ونبحث عن الحل بأنفسنا، نقرأ لأشخاص مختلفين أو نشاهد فيديوهات تتحدث عن ذات المعضلة، نقارن ما نعرفه بما نسمعه، ثم نضع كل هذا في ميزان عقلنا، ونحاول أن نصل إلى نتيجة مقنعة لنا وترضينا.

تتنوع هذه المشكلات بين أمور شخصية بحتة تختلف من شخص لآخر، مثل: خلاف مع شريك الحياة أو صدام مع مدير العمل، وقد تصل إلى قضايا كبيرة ونظريات اجتماعية وغير اجتماعية لا يمكن الجزم بها بشكل نهائي، بل تتعدد النتائج والحقيقة أنّ أغلب هذه الأمور لا تؤثر على حياتنا بشكل مباشر، فلا الإيمان بها سيجعلك أغنى أو أصغر عمرًا أو أكثر نجاحًا، ولا العكس سيجعلك تتحول إلى ضفدع تسبح في إحدى المستنقعات كي تدافع عنها بشكل مستميت لتكون (أمها وأبوها وكل عائلتها) للفكرة!

هناك نوع آخر من تلك الأفكار، وهي تلك التي يقوم أصحابها بالحديث عنها، ويقوم المتابعون بتبنيها فقط كي يخالفوا الآخرين، ويظهرون بمظهر الأذكياء العارفين ببواطن الأمور، وظهور كل هذا في أي مجتمع وبيئة أمر طبيعي جدًا، لكن في عالم آخر يتصرفون في هذه المواقف بطرق عجيبة جدًا:


تحوير المعطيات حسب النتائج المطلوبة

عندما كنا في المدرسة وكنا ندرس النظريات الرياضية فإنّنا كنا نضع الفرضيات المثبتة سابقًا والتي علينا الانطلاق منها، ثم المطلوب منا أن نثبته، وننطلق من الأول للوصول إلى الثاني، هذه الأيام يبدو أنّ الآية صارت معكوسةً، وبات الجميع يبدأ من المطلوب ويفصل الإثبات على قياسه من خلال فرضيات قد تكون موجودةً أو غير موجودة، وذلك من خلال المغالطات المنطقية الكثيرة في الكلام، والتي ترجع لبراعة من يطرح الفكرة في وضوحها أم لا.

ربما يربط أمورًا لا علاقة لها ببعضها، أو يثير مشاعر الآخرين أثناء الحديث كأن تجد من يقول لك: إذا كنت لا تريد أن تكون نباتيًا فهذا يعني أنك تهين نعمة الله! أو إذا كنت تؤيد الصيد فأنت توافق على القتل في الحروب! … لا أعرف كيف يمكن أن تقارن أمرين مختلفين تمامًا!

تحميل الكلمات أو الجمل معاني لا تحتملها

اللغة العربية بالذات لغة واسعة للغاية وكثير من الكلمات فيها لها معاني متعددة، حتى أنّ بعض الكلمات تحمل المعنى ونقيضه حسب السياق في الجمل، وهذه فرصة لأخذ أي عبارة أو مقطع وتحميله معاني غير المعاني الأصلية له وتفسيره بشكل مختلف، وهذا يحدث كثيرًا في المواضيع الدينية والفلسفية، أو ما يسمى هذه الأيام التنمية البشرية، والتي قام الكثير من روادها بأخذ نصوص وعبارات وأفكار وإعطائِها هالة وتحميلها مالا تحتمل من المعاني … وأكبر مثال على هذا فيلم السر الذي قام على تجميع عدد من القصص المختلفة، وعرضها بطريقة تتناسب مع الفكرة التي يريد إيصالها للمشاهد.

اجتزاء المعلومات من سياقها

إذا رغبت بشيء بشدة يكفي أن تتخيله وتشعر أنّك تملكه، ثم يمكنك أن تنتظر أن يأتي إليك! … هذا هو قانون الجذب كما يتداوله الأشخاص على المواقع والفيديوهات والمقالات التحفيزية، ويضربون في سبيل ذلك الكثير من الأمثلة والقصص.

تناول الشاي الأخضر يساعد على فقدان الوزن، معلومة انتشرت بكثرة في فترة من الفترات، وتحدث بها أخصائيو التغذية على التلفاز والمواقع الشبيهة بالطبية … والنتيجة: تذهب إلى المطعم تطلب 2 شاورما حجم كبير وعلبة كولا، وترضي ضميرك بكوب من الشاي الأخضر!

هذه مجرد أمثلة بسيطة على أخذ فكرة وعرضها بشكل مبسط جدًا واختصار مخلّ بها، وهذا يحدث كثيرًا في الخطابات السياسية، حيث يأخذ كل طرف ما يناسبه من الحوار ويلبسونه ألف ثوب وألف معنى، وحين تعود إلى الأصل تجده لا علاقة له بما وصل إليه في النهاية.

الكتب المقدسة ليست كتبًا علميةً

لم يكن الهدف من الكتب المقدسة التي أُنزلت على الأنبياء أن تكون كتبًا علميةً نفسيةً وفلسفيةً واجتماعيةً، بل نزلت لتكون منهج حياة لمن يتبعها من الناحية الإيمانية والعقائدية أولًا، ومن الناحية الاجتماعية والحياتية ثانيًا؛ لترشدنا إلى طريق العلم والتفكر في الكون، وآيات الأمر بالتفكر والبحث في الكون كثيرة في القرآن الكريم، ووجود بعض المعلومات العلمية هو من باب الإعجاز فيه، ولكن لا يعني أنّ كل حقيقة أو نظرية علمية يجب أن تجدها في الكتاب المقدس، وإن لم تجدها فهي غير حقيقية.

لا يمكن أن تستخرج نظامًا غذائيًا أو وصفات للريجيم من الكتب الدينية، ومن المستحيل أن تجد فيها علاجًا للسرطان، ولا تتنبأ بالحوادث كما انتشر بعد سقوط برجي التجارة العالمي.

أصول الدين ثابتة والعلم أغلبه يعتمد على نظريات قابلة للتغيير بحسب الاكتشافات الجديدة، فمن كان يعرف بوجود كواكب أخرى في الفضاء؟ المقارنة في هذه الحالة لن تكون لصالح الدين ولا العلم؛ لأنّها تعتمد على أسس خاطئة، فلا تكون المقارنة بين أمرين مختلفين تمامًا لا رابط بينهما.

5- عدم التحقق من المصادر

ثبت علميًا أنّ أي معلومة تبدأ بـ (ثبت علميًا) هي عبارة خاطئة، الإنسان يستخدم فقط 20% من طاقة عقله، وإذا استخدمه كله قد يستطيع إنارة منزل! كمية الحديد في جسم الإنسان كافية لعمل علبة من المسامير! … وغيرها من الكثير من المعلومات المنتشرة بكثرة على الإنترنت، وخصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي وفي صفحات مختلفة، وكلها تبدأ بـ هل تعلم؟ وظهور ما يسمى بالعلوم المزيفة التي تعتمد على عبارات نسبوها إلى علم النفس وقالوا عنها أنّها قوانين في علم النفس، أو إلى علماء مشهورين هم بريئون مما قيل، أو الكثير من القصص المحفزة عن علماء مختلفين، التي سيكون تأثيرها أكثر سوءًا حين تعرف أنّها مزيفة.

ولكن أين مصادر كل هذه المعلومات؟ … لا أحد يعرف لأنّه لا مصادر لها … والنتيجة جيل كامل ممن يعتقد أنّه مثقف، ويعرف الكثير وكل ثقافته مصدرها (فيسبوك).

6- أعط الخباز خبزه … ولو أكل نصفه

نحن في عصر التخصص، بل هو تخصص التخصص، أعرف شخصًا يختص في أمراض الدم عند الأطفال، ثم تخصص أكثر ليتخصص في أورام الدم عند الأطفال، لم يعد يمكن الإحاطة بالعلم كله بكافة اختصاصاته كما كان يفعل العلماء في العصور الوسطى، أو في بداية التطور العلمي عند العرب ثم في أوروبا.

المشكلة في بلادنا العربية أنّنا لا نؤمن بهذا التخصص، عندما نمرض نلجأ للصيدلي أو للصديق الذي مازال في السنة الأولى في كلية الطب، وعندما نحتاج إلى فتوى دينية نذهب إلى جارنا العجوز أو الجدة واللّذين من المفروض أنّهم يعرفون كل شيء، في أحسن الأحوال سنلجأ لعمنا جوجل وهنا تكمن الكارثة؛ لأنّ الإنترنت فتح المجال لكل من هب ودب ليتكلم في أي شيء، ونحن العرب كما نقول (زبدية صيني) أي شخص قادر على الفتي في الدين والسياسة والثقافة والفن وعلم النفس والطب طبعًا.

أرجوك عندما تريد أن تعرف أي معلومة في الطب، فلا تذهب إلى أستاذ اللغة العربية وتسأله، وعندما ترغب بمعرفة معنى كلمة في اللغة الإنكليزية فلا تلجأ إلى صاحب السوبرماركت المجاور لك مالم يكن بروفيسورًا في اللغة الإنكليزية، حتى العلوم الدينية باتت متخصصةً بشكل كبير، فالفقيه يختلف عن أستاذ العقيدة غير أستاذ التاريخ، والدين رغم أنّه الحقل الأكثر خطرًا والمليء بالألغام، لكن مع ذلك من السهل على أي شخص قرأ بضعة كتب أن يتحدث في الدين ويفتي، ويفسر دون أن يشعر بأي تأنيب ضمير.

الأمر الآخر الذي صار متاحًا للجميع ليتحدث فيه هو علم النفس أو الإرشاد الاجتماعي، بضع دورات وكتب ثم يمكنك أن تقوم بعمل صفحة على فيسبوك تكتب عليها (مرشد نفسي واجتماعي)، وتبدأ بتلقي الاستشارات من الآخرين والاستمتاع بدور الحكيم حلّال المشاكل … وهنا يقع الذنب على الطرفين: الاستشاري والمستشير … المفتي والمستفتي.

نحتاج إلى (فرمتة) لعقولنا وإعادة تنصيب بعض البرامج، وخصوصًا تلك التي تتعلق بمعالجة المعلومات وتلقيها، ربما حينها نجد المخرجات أفضل وأكثر فعاليةً.

المصدر

ما رايك بالموضوع?



تعليقات فيسبوك



تعليقات