ماذا يعني انسحاب أمريكا من اليونسكو للفلسطينيين ؟

منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة United Nations Educational Scientific and Cultural Organization  أو ما يعرف اختصارا ( يونسكو  UNESCO ) تأسّست عام 1945 لهدف رئيسي هو المساهمة في تحقيق السلام والأمن الدولي عن طريق دفع التعاون بين دول العالم في مجالات التربية والتعليم والثقافة، ودعم الاحترام العالمي للعدالة وسيادة القانون، واحترام الحريات وحقوق الإنسان.

للمنظّمة احترامها ونشاطاتها الدولية المنصفة التي تخدم الجميع من خلال 50 مكتبا وعدّة معاهد تدريسيّة حول العالم، وخمسة برامج أساسيّة هي " التربية والتعليم، والعلوم الطبيعيّة، والعلوم الاجتماعيّة والانسانيّة والثقافيّة، والاتصالات والاعلام، " وتساهم في العديد من المشاريع على مستوى العالم كمحو الأميّة، والتدريب التقني، وبرامج تدريب وتأهيل المعلّمين، والمشاريع الثقافيّة والتاريخيّة، وتدعم التعاون العالمي للحفاظ على التراث الحضاري وحماية حقوق الإنسان.

ولأن المنظمة حاولت دائما أن تحافظ على مصداقيتها وحيادها وكرّست جهودها لتحقيق القيم الإنسانيّة النبيلة التي أسّست لتحقيقها، فإنها كانت مثارا للجدل بشكل واسع منذ تأسيسها، واعتقدت الولايات المتحدة وبريطانيا  وبعض دول الغرب في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أنّها كانت تتعاطف مع الشيوعيين ودول العالم الثالث وتهاجم سياسات الغرب في مناطق مختلفة من العالم، فانسحبت الولايات المتحدة الأمريكية منها في عام 1984 وتبعتها بريطانيا في عام 1980 لكن بريطانيا عادت للمنظمة في عام 1997 ، وتبعتها أمريكا في عام 2003 .

الولايات المتحدة وإسرائيل عملتا ما بوسعهما لمنع فلسطين من الانضمام للمنظمة، لكن المنظّمة أصدرت قرارا تاريخياّ في 31 تشرين الأول 2011 بقبول عضويّة فلسطين كدولة فيها رغم رفض إسرائيل ومعارضة الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الغربية التي رأت أن قبول فلسطين يضر بمصالح اسرائيل، ويمهد الطريق لاعتراف العالم بحقوق شعب فلسطين وبالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة والمنظمات المتفرّعة عنها.

احدى مهام اليونسكو التي أزعجت إسرائيل وحليفتها أمريكا جدا هي أن المنظمة تعلن قائمة مواقع التراث العالمي وتعتبرها دلائل تثبت إرث الشعوب  وانجازاتها الحضارية التي قدمتها للعالم. ولهذا فإن إسرائيل التي تعرف جيدا أنها احتلت وطنا لا تراث لها فيه، وتعمل جاهدة على تزوير آثاره وتاريخه وإنكار وجود شعبه، اعتبرت اليونسكو عدوّها اللدود الذي يساهم في كشف اغتصابها لوطن لا تربطها به علاقات تراثية، ويرفض احتلالها، ويفضح ممارساتها العنصرية ومحاولاتها لطمس تراث الشعب الفلسطيني وتزوير تاريخه.  

لقد اتّخذت المنظمة عددا من القرارات المؤيدة للفلسطينيين من أهمها قرار عام  1968 الذي دعا اسرائيل إلى الامتناع عن إجراء أي حفريات في القدس أو تغيير لمعالمها، وقرار عام 1974 الذي دعا دول العالم إلى الامتناع عن تقديم أي مساعدات ثقافيّة أو علميّة لإسرائيل بسبب ممارساتها العدوانيّة ضدّ الفلسطينيين في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية، وقرار عام 2003 بإرسال بعثة إلى فلسطين لتقييم وضع القدس القديمة في ظل الاحتلال، وقرارات 2005 – 2006 التي نصّت على الأهميّة التاريخيّة الاستثنائيّة للقدس القديمة وأسوارها، ووضعتها على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر، وقرار عام 2016 الذي نفى وجود أي ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق، وقرارات  2017 التي اعتبرت القدس مدينة فلسطينية محتلة، ووضعت الخليل والحرم الإبراهيمي على لائحة التراث العالمي.

  إن عداء أمريكا واسرائيل لهذه المنظمة الدولية العريقة ذي المصداقية العالية وللشعب الفلسطيني ليس جديدا أو مفاجئا لأحد. فمنذ وصول ترامب إلى البيت الابيض وهو يتّخذ القرار المعادي للفلسطينيين تلو الآخر. لقد تخلّت إدارته عن معارضة الإدارات الأمريكية السابقة للاستيطان، وحاولت التأثير سلبا على الدول المؤيّدة للحق الفلسطيني في الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية الهامة، وأخيرا أعلنت انسحابها من اليونسكو ليس  لأنها " معادية لإسرائيل " كما زعم الرئيس الأمريكي، ولكن لأنّها كشفت أكاذيبها !

أمريكا يقودها الآن رجل تنقصه الخبرة السياسية، ويتخبّط في تعامله مع القضايا المحليّة والدولية الهامة، ويتوقّع حتى بعض من كانوا مقرّبين اليه وخدموا في إدارته ثمّ استقالوا أو أقيلوا انه لن يكمل ولايته كرئيس للولايات المتحدة. إن التطورات الحالية، وآخرها انسحاب امريكا من اليونسكو تشير إلى أن القرارات الأمريكية المتعلقة  بفلسطين، وإيران، والمنطقة العربية برمتها يقرّرها الصهاينة الذين يحتلون البيت الأبيض بالتنسيق مع نتنياهو وحكومته المتطرفة.

إسرائيل انسحبت من المنظمة بعد ساعات من انسحاب أمريكا منها يوم امس 12- 10- 2017، وأثنى نتنياهو على الخطوة الأمريكية بالقول " ان القرار الأمريكي شجاع وأخلاقي لأن المنظمة أصبحت مسرح عبث، وبدلا من الحفاظ على التاريخ فإنها تقوم بتشويهه ." ان انسحاب أمريكا من اليونسكو هو دليل على انصياعها للنفوذ الصهيوني وتحيّزها الأعمى الكامل لإسرائيل، وعدم أهليتها لتكون وسيطا بين أطراف النزاع للوصول إلى حل سلمي عادل.

هذا القرار الأمريكي مخيّب لآمال الفلسطينيين الذين يواجهون أوضاعا صعبة، ويؤكد انهم سيرتكبون خطأ فادحا إذا وثقوا بالرئيس الأمريكي، أو اعتقدوا بأنه سيساعدهم في الوصول إلى حل عادل لقضيتهم. ترامب، الرئيس الأمريكي الأكثر ولاء لإسرائيل منذ قيامها، يخطّط مع صديقه نتنياهو للهيمنة على المنطقة، ويعملان على استسلامها والسيطرة على مقدّراتها من خلال فرض سلام لا لون ولا طعم له، ويمكن التنصل منه أو حتى الغاءه في أي وقت. إن ما يخدم الفلسطينيين ويمكّنهم من الحصول على حقوقهم هو الصمود في داخل الوطن، والوحدة الوطنية، وتطوير التعليم والصناعة والزراعة، وتفعيل المقاومة الشعبية الشاملة.   

بقلم كاظم ناصر

ما رايك بالموضوع?



تعليقات فيسبوك



تعليقات