معلومات كاملة عن الإنس والجام - تراللي
فرقة الانس والجام

الإنس والجام: الأغنية الفلسطينيّة ببنطالها الجينز!

الإنس والجام: الأغنية الفلسطينيّة ببنطالها الجينز!

ما زالت الأغنية الفلسطينيّة تخوض مخاضًا عسيرًا نحو تحقيق ذاتها، وهي، في الوقت نفسه، تواجه الضوء يومًا بعد يوم، وتُفرد لها مساحات خاصّة، سواء من خلال ظهور أصوات فلسطينيّة جديدة مؤثّرة جماهيريًّا كالتي تبرزها برامج مواهب الغناء العربيّة، أو من خلال العمل الجادّ لثلّة من فنّانين فلسطينيّين يرون في الموسيقى خلاصًا، أو وسيلة لإعلاء الصوت في عالم يتجاهل اسم فلسطين. في هذا الوقت تمامًا، يمكننا أن نرخي شفاهنا عن ابتسامات رضا وأمل بقادم أفضل، ليس من باب التفاؤل، إنّما من باب دراسة متأمّلة في الحالة.

جوّ الحاكورة

"الإنس والجام" فرقة فلسطينيّة حديثة التأسيس، اختارت اسمها معتمدة على الساقين اللتين تمشي عليهما، فـ "الإنس" مورد الموسيقى، و"الجام" الحالة، وهو مصطلح يُستعمل للتعبير عن العصف الموسيقيّ، حين يجتمع الفنّانون ويتركون الخوض في الجدالات لآلاتهم، لا لألسنتهم.

تتكوّن الفرقة من جوزيف دقماق (بيانو)، وحسين أبو الربّ (إيقاع)، ومحمود كرزون (كمان)، وأمير ملحيس (باص جيتار)، وإبراهيم نجم (عود)، ومحمّد مصطفى (غناء)، وميرا أبو هلال (غناء).

قول أعضاء الفرقة إنّ فكرة تأسيسها جاءت من انسجامهم روحيًّا، على الرغم من انتمائهم لمشارب موسيقيّة مختلفة؛ الجاز والبلوز والشرقيّ، إلّا أنّهم تمكّنوا، من دون أن يخطّطوا لذلك، من خلق طقس موسيقيّ متحرّر من هذه السياقات، من دون أن يخرج أيّ منهم عن شخصيّته الفنّيّة.

 وهذا أمر لا بدّ من الإشارة إليه، فكثير من الفنّانين في العالم وقعوا في فخّ المجاراة الذي أودى بأعمال بأكملها إلى الهاوية، بسبب اختلال هويّة العمل، على عكس ما جرى مع "الإنس والجام"، إذ خرجوا بهويّة جديدة متخفّفة من المجاراة ومنحازة إلى جوّ يمكنني أن أسميه "جوّ الحاكورة"، لأنّني أستشعر من خلال عملهم مزاجهم التلقائيّ كأصدقاء يغنّون في حاكورة منزل أحدهم، غير عابئين بتعقيدات المدارس الموسيقيّة، على عظمتها!

شو هالحبّ التراللّي!

أطلقت "الإنس والجام" نهاية آذار (مارس) الماضي أغنيتها الأولى، "تراللّي"، التي كتب كلماتها الشاعر سامر الصالحي، ولحّنها الفنّان إبراهيم نجم:

"كان واضح جدًّا لمّا ودّعتيني

إنّك في طريق مش ممكن ترجعيلي

ودموعك اللّي غرقوا عيونك

حبيتهم

وشعرت إنّك عنجد بتحبّيني

ترجعيلي ولّا ما ترجعيلي

مش مهمّ كتير

المهمّ تضلّي تشتاقيلي

شو هالحبّ التراللّي!

ماخد كلشي ولا مخلّي!

طب حطّ حالك بمحلّي

بتلاقي الشغلة بتسلّي!"

وقفت الأغنية في منطقة مخاتلة وجذّابة، لا هي نخبويّة ولا شعبيّة، ولا هي عاطفيّة ولا ساخرة؛ لا يمكنك حتّى أن تتبيّن مشاعر المغنّي، إن كان حزينًا لما قد وقع، أم سعيدًا به على أيّ حال. إنّها أغنية لا مبالية، حسًّا وكلامًا ولحنًا، وأظنّ أنّ هذه الخصيصة هي ما يمنحها هويّتها أغنيةً فلسطينيّة، قبل اللهجة الساحرة التي تمكّن الصالحي من صوغ كلمات الأغنية بها، على أن تكون مفهومة لأيّ كان، وقبل اللحن الذي يقول ما تقوله الشوارع الضيّقة والملتوية في البلاد وفي تشكّلات الفلسطينيّ الداخليّة وجوارحه، على اختلاف مآلاته.

صورة جديدة

ليست "الإنس والجام" الفرقة الفلسطينيّة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، لكن ما يميّزها عن غيرها، أو ما نستطيع أن نستشرفه لها من خلال عملها الأوّل، أنّها تنزل إلى المدرّج من دون الثوب المطرّز، ومن دون زيّ الفدائيّ، ولا تنسى، أيضًا، أن تتخفّف من عباءة المدرّس الأكاديميّ للموسيقى، وهذا ما يجعلها مختلفة عن أغلب مَنْ سبقها من فرق فلسطينيّة، أقول أغلبها لا كلّها، لأنّ ثمّة تجارب بدأت بهذه الطريقة ثمّ استعارت سير فرق أخرى، أو توقّفت لظروف قد تكون متعلّقة بالتمويل، أو بارتباطات أعضائها المتعدّدة، كما يحدث عادة في الحلقة الأخيرة لكلّ الفرق في العالم، النهاية التي تكون أحيانًا صادمة للمريدين، والتي لا نتمنّاها "للإنس والجام".

خيار الفرقة صائب، بحدّ ذاته، لأنّه يخفّف من العبء الإنتاجيّ بتشارك أعضاء الفرقة في حمله، لا سيّما في بداياتهم، إلّا أنّ هذا الخيار في الحالة الفلسطينيّة يندرج في لائحة التحدّيات، إذ أنّ تاريخ الغناء الفلسطينيّ الحديث سجّل أسماء فرق لا تمّحي، مثل "العاشقين" و"الجذور" وغيرها من الفرق التي اعتمدت على الغناء والرقص التراثيّين، مثل "فرقة الفنون الشعبيّة" و"الحنّونة"، فالسؤال الذي ينبغي للإنس والجام الإجابة عليه قبل الذهاب إلى الأستوديو للتسجيل: ماذا يمكن أن نضيف، وبأيّ معول سنحفر لنا مكانًا بين الفرق الفلسطينيّة الأخرى؟

لقد أحسنوا الإجابة عليه بعفويّة كانت بطلة المشهد، المشهد الذي عمل على تظهيره المخرج فادي أبو نعمة، الذي قام على الكليب الخاصّ بالأغنية، من دون أن يتكلّف في خلق أو استيراد صورة للأغنية، إنّما أخرج لنا الكواليس المشتهاة، وأحسن تركيبها على شريط مدّته 5 دقائق ونصف من الجمال.

يمكننا أن نقول الآن: ها قد نزلت الأغنية الفلسطينيّة ببنطالها الجينز إلى الشارع، عارفة طريقها، ومدركة مهامها، غير متنازلة ولا متخاذلة، إنّما واعية لنفسها وواقعها.

ما رايك بالموضوع?



تعليقات فيسبوك



تعليقات