لبنانيون يفضلون الاغتراب على وطن "لا أمل فيه" بعد الانفجار
بيروت (السر الاخباري) - بعد أيام من انفجار المرفأ الذي أصاب بالخراب مناطق واسعة من بيروت، أعلن مذيع للأخبار في قناة تلفزيونية حكومية لا يشاهدها الكثيرون أنه سيغادر لبنان إلى الأبد.

من إلن فرنسيس

بيروت (السر الاخباري) - بعد أيام من انفجار المرفأ الذي أصاب بالخراب مناطق واسعة من بيروت، أعلن مذيع للأخبار في قناة تلفزيونية حكومية لا يشاهدها الكثيرون أنه سيغادر لبنان إلى الأبد.

وقال وسيم عرابي في كلمة غاضبة موجهة للنخبة الحاكمة "لم أعد أستطيع البقاء في أرض هي مقبرة للأحلام. سأغادر لأنني قرفت (سئمت) منكم".

كانت تلك الكلمات مرآة صادقة عكست مشاعر اللبنانيين الذين ينحون باللائمة على زعماء الطوائف وكبار الساسة في دفع البلاد للخراب من خلال الفساد والتناحر على مدى عقود.

هذا الطريق يعرفه اللبنانيون منذ القدم.. الهجرة بحثا عن "أي صورة من صور الحياة طبيعية"، على حد قول مطورة شبكات الإنترنت الشابة دارين تامر، وهي تملأ استمارات الهجرة.

كان انفجار المستودع في الرابع من أغسطس آب، الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 190 شخصا، جرس إنذار أخيرا لها ولكثيرين غيرها يتألمون تحت سياط انهيار اقتصادي لم يسبق له مثيل، وارتفاع في الأسعار وموجات الاضطرابات.

أصبحت دارين (30 سنة) في طريقها للانضمام إلى الشتات اللبناني الذي يبلغ عدد من فيه ثلاثة أضعاف من يعيشون في الداخل بفعل موجات الهجرة السابقة في تاريخ البلاد الحافل بالاضطراب.

تظهر مؤشرات موقع (جوجل) أن عمليات البحث عن كلمة "الهجرة" من لبنان وصلت لأعلى مستوى منذ 10 سنوات بعد الانفجار الهائل لمخزون ضخم من مادة نترات الأمونيوم، في مرفأ بيروت. وقال المسؤولون إن الكارثة وقعت بسبب الإهمال.

أصيب آلاف في الانفجار، ودُمرت منازل لبنانيين كانوا قبل قليل قد فقدوا وظائفهم وأصبحت مدخرات سنين عمرهم حبيسة البنوك.

وسيحرم أحدث نزوح لبنان من أكاديميين وأطباء وفنانين وغيرهم ممن يفترض أن تعتمد عليهم البلاد من أجل النهوض من جديد.

من بين هؤلاء لبنانيون كانوا قد عادوا في تسعينيات القرن الماضي اجتذبتهم طفرة في أعمال البناء بعد الحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة، ولم يتعاف لبنان بشكل نهائي من جروحها حتى الآن. أصبح هؤلاء يرسلون أبناءهم إلى الخارج في الوقت الراهن.

كانت دارين الوحيدة بين إخوتها التي بقيت في لبنان. لم تفكر قط في أنها سترحل أيضا في يوم من الأيام. يعيش شقيقها في أستراليا، ورحلت أختها إلى كندا. أما هي فقد اضطرت للعمل في وظيفتين لتعويض الانهيار السريع في قيمة العملة. وأغلقت شركة ناشئة كانت تعمل فيها أبوابها هذا العام بعد أن جفت أموال الاستثمار.

وتقول دارين "لا قيمة للحياة هنا. لا يمكن بناء أي شيء. كل بضع سنوات، يتعين إعادة توفيق الأوضاع.. لا أمل. الاحتفاظ بالأمل ضرب من الجنون".

* أي مكان إلا هنا

من بين اللبنانيين الذين يمكنهم الاعتماد على الجنسيات المزدوجة التي اكتسبتها عائلاتهم في موجات الهجرة السابقة، جيس تلحمي خريجة علم النفس البالغة من العمر 23 عاما.

كان والداها قد فرا من الحرب الأهلية ليقضيا ثلاثة عقود في كندا، وهي إحدى الوجهات المفضلة للمهاجرين اللبنانيين. عاد الوالدان لتنشئة أبنائهما وتربيتهم في البلد الذي يصفانه بأنه الوطن. لكن جيس، العاطلة عن العمل منذ سنة، تحجز الآن تذكرة ذهاب فقط.

وتقول "عندما وقع الانفجار، انتهى كل شيء بالنسبة لي".

فقد ظلت دارين تقطع الأشواط المتتابعة بين الأسرة في المستشفى بعد أن حطم الانفجار عظام وجنتي صديقتها. وبعدها بأيام، أصيب صديقها برصاصة مطاطية في احتجاج ضد النخبة السياسية.

وتصف الوضع بأنه "يشبه من يريد القتال من أجل بلده، لكنه يريد أيضا البقاء على قيد الحياة كي يتمكن من القتال".

وسيعجز كثيرون ممن هم أقل حظا في الموارد والثروات عن المغادرة.

تحكي دارين قصة لها أثناء مقابلة للحصول على عمل مؤخرا. تقول إنها ابتسمت عندما سألها أحدهم أين ترى نفسها بعد خمس سنوات. وقالت "لا أستطيع حتى أن أخبرك أين أرى نفسي غدا، لكن ليس (في) هذا المكان".

ما ردة فعلك?

محادثات Disqus